أحمد السبكي يكتب : تأثير الذكاء الاصطناعي على البصمة الإبداعية
البصمة الإبداعية وخاصة للكتّاب والمؤلفين هي مجموعة السمات المتكرّرة التي تجعل النصّ الخاص بكاتبٍ ما قابلًا للتعرّف حتى دون توقيع منه أو دون الإشارة إليه، وهذه البصمة الإبداعية تعتبر الحمض النووي "DNA" لأسلوب الكاتب الذي يتشكل ويتكون على مر الزمن ونتيجة للخبرة المتراكمة فإن هذه البصمة الإبداعية تولد من رحم التجربة والخبرة والمعاناه التي يعايشها الكاتب خلال فترات حياته في المجتمع.
وتتكون البصمة الإبداعية مما يلي:
- البصمة اللغوية، وهي عبارة عن مفردات الكلمات سواء عامية أو فصحى، بسيطة أو فنية ... إلخ، كما تتضمن أيضا طول الجملة سواء طويلة متدفقة أو قصيرة متقطعة، وتشمل بالإضافة إلى ذلك تراكيب الجمل من جمل شرطية أو اعتراضية أو تكرار استخدام الاستفهام ... إلخ.
- بصمة الأسلوب، وهي تشمل منظور السرد سواء كان ذاتيا أو موضوعي أو تحليلي، والصور البلاغية المستخدمة، والنبرة المستخدمة سواء كانت ساخرة أو حادة أو شاعرية أو هادئة.
- البصمة الفكرية، وهي تتكون من الموضوعات المفضلة للكاتب سواء كانت عن الانسان أو التكنولوجيا أو الهوية أو السلطة .. إلخ.، وأيضا طريقة تحليل الكاتب للمواقف المختلفة في كتاباته سواء كانت طريقة علمية أو فلسفية أو قصصية، الموقف الضمني للكاتب أثناء معالجته للكتابة ويشمل ذلك النقد والتفاؤل والتشاؤم.
- البصمة البنائية، ويشمل ذلك هيكل النص الذي يتكون من مقدمة ثم ذروة، أم أنه يستخدم البناء الهرمي المتتالي والمتصاعد .... إلخ، وكيفية معالجة الكاتب للمواقف المختلفة، فهل ينتقل فجأة من موقف لأخر أم ينتقل بطريقة سلسلة بها تمهيد، وكيف يختم الكاتب كتاباته، فهل يترك النهاية مفتوحة، أم يقرر شيئ معين، أم يصدم القارئ بنتيجة لم يتوقعها.
كيف يمكن تقليد البصمة الإبداعية
هناك فرق كبير بين تقليد البصمة الإبداعية والتزوير، ويتلخص الفرق في أن الهدف الاساسي من التقليد هو التعليم والمحاكاة، أما في حالة التزوير فإن الهدف يكون السرقة وانتحال الشخصية للحصول على مكاسب مادية. وفي التقليد يتم محاكاة الأسلوب، واختيار موضوع جديد، وتطوير طريقة الكتابة، أما في التزوير فيتم نسخ العبارات، واختيار نفس نفس الأفكار، وإخفاء الهوية.
وتتم عملية التقليد من خلال التحليل العكسي (ٌreverse engineering) للنصوص الخاصة بأحد الكتاب، ثم بناء قالب إسلوبي لاستخدامه في الكتابة في موضوع مختلف وجديد لا يتناوله الكاتب الأصلي، ثم إجراء عملية المقارنة بين النصوص الأصلية للكاتب الأصلي والنصوص المقلدة والتعرف على الفروق ودراستها والوصول إلى النتيجة والتي تتمثل في مدى شعور القارئ بالتشابه (وليس التطابق) بين الاسلوبين.
ويمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في عملية تقليد البصمة الإبداعية من خلال تدريب نظم الذكاء الاصطناعي على أنماط الكتابة الخاصة بالكاتب المراد تقليده بحيث ينتج نص له نفس إيقاع نصوص الكاتب ونبرته وبنيته، ولكن ليس من المفترض أن يعيد نموذج الذكاء الاصطناعي إنتاج نصوص أصلية أو تقليد أحد الكتاب بطريقة اننتحالية بحيث يظهر وكأن العمل من تأليف الكاتب.
نماذج لأهم خصائص البصمات الإبداعية لبعض أشهر الكتاب المصريين:
فيما يلي اهم خصائص البصمات الإبداعية لبعض أشهر الكتاب المصريين سواء في مجال القصص والروايات أو في الكتابات الفلسفية والسياسية.
- الأديب العالمي نجيب محفوظ:
يتميز الأديب العالمي نجيب محفوظ ببصمة إبداعية واضحة ومتماسكة تُعدّ من أكثر البصمات تميّزًا في الأدب العالمي، ويمكن التعرّف على نصّه حتى دون الإشارة المباشرة أو غير المباشرة، وتأتي هذه البصمة نتيجة للتفاعل الواضح للأديب مع الواقع المصري وصياغته باسلوب دقيق منضبط.
إن الخصائص اللغوية للبصمة الإبداعية لإسلوب الأديب العالمي تتميز بلغة وسطى واضحة فهي ليست فُصحى معقدة وهي في الأغلب خالية من الزخرفة البلاغية وقريبة من الحوار اليومي لجمهور الناس، كما أن جمله واضحة الإيقاع متوسطة الطول وتركيبها مستقر نحويا ونادرا ما يستخدم الجمل الانفعالية.
أما فيما يتعلق باسلوبه، ففبه حياد ظاهري ولا يصدر احكاما مباشرة ويترك للقارئ اكتشاف المأسي أو العبث بنفسه، وتتميز واقعيته بإنها واقعية نفسية يكون فيها المكان إنعكاس للحالة النفسية والاجتماعية كما أنه يبني الشخصيات من الداخل إلى الخارج ويقتصد في استخدام التعبيرات البلاغية.
وفيما يخص بناء الرواية عند الإديب العالمي، فهي بنية كلاسيكية منضبطة بها تسلسل زمني واضح وتصاعد للأحداث بهدوء وذروة موجعة بغير صخب، والشخصيات المحورية في رواياته هي نماذج إجتماعية من الحياة، وتتميز نهايات رواياته بعدم وجود حلول جاهزة، ولا يعطي إجابات لكنه يترك القارئ ليسأل نفسه العديد من الأسلئة.
إن البصمة الإبداعية للأديب العالمي تتميز بكتابة هادئة لا صراخ فيها تتناول الإنسان العادي وتركز على الواقع القاسي للحياة، وتثير الأسئلة الأخلاقية العميقة ولا تعطي إجابات نهايئة.
2- إحسان عبد القدوس:
البصمة إبداعية للأديب إحسان عبد القدوس واضحة ومختلفة جذريًا عن مدرسة نجيب محفوظ، حتى وإن انطلقا من البيئة المصرية نفسها، وهي تعتمد أساسا على الاقتحام النفسي والاجتماعي للموضوعات المحرّمة، وكشف التناقض بين ما يُقال علنًا وما يُعاش سرًّا (الإزدواجية).
إن الخصائص اللغوية لإحسان عبد القدوس تتميز بلغة سردية سهلة وواضحة قريبة من المقال الصحفي، ولذلك فيه تخلو من التعقيد اللغوي وتخاطب القارئ بلا حواجز ويستخدمها كوسيلة تصادم. وتتميز جمله بأنها قصيرة سريعة الإيقاع تخدم التشويق والانفعال وتركز على الجمل الفعلية.
وفيما يتعلق بإسلوبه، فيتميز بالجرأه في الطرح واقتحام الموضوعات غير المعتادة مثل الحب غير التقليدي والرغبات وإزدواجية الأخلاق والخيانة، وكل ذلك بصورة صريحو وبدون مواربة. ويركز إحسان على إظهار الأحكام الأخلاقية بصورة مباشرة في كثير من الأحيان، كما يظهر التعاطف مع أبطاله، وتتركب قصصه من مشاهد قصيرة تشبه السيناريو، وتعتمد على المشهد الدرامي والحوار الكثيف.
وفيما يخص بناء الرواية عند إحسان عبد القدوس، فهي ذات بداية سريعة وتصاعد درامي حاد وعقدة مركزية واحدة وتعتمد على الحبكة الواضحة والمباشرة وتنتهي بنهاية حاسمة غالبا، كما تتميز شخصياته بإنه واضحة المعالم (أبيض/أسود)، قليلة التدرج النفسي قوية الحضور.
إن البصمة الإبداعية لإحسان عبد القدوس تتميز بسهولة اللغة والإيقاع السريع، وتحقيق صدمات أخلاقية في الرواية التي تعتمد على وجود إمرأة في قلب الحدث أو المعركة الدائرة في الرواية، كما يظهر إزدواجية المجتمع الذي تدور فيه الرواية، وتتميز رواياته بوجود نهايات لا تخجل من الحسم.
3- توفيق الحكيم
البصمة الإبداعية للأديب توفيق الحكيم هي بصمة فريدة في الأدب العربي، تقوم على الفكرة قبل الحكاية، والعقل قبل العاطفة، والرمز قبل الواقع المباشر، فتوفيق الحكيم هو رائد “المسرح الذهني” وأحد أوائل من نقلوا الأدب العربي من الوصف الاجتماعي إلى السؤال الفلسفي المجرّد.
إن الخصائص اللغوية لتوفيق الحكيم تتمثل في استخدام لغة فصحى واضحة فلسفية بسيطة وغير زخرفية تتجنب المحسنات البلاغية، أقرب إلى لغة التفكير منها إلى لغة الانفعال، فهو لا يستخدم اللغة كوسيلة تأثير عاطفي. كما أن الجمل المستخدمة هي جمل قصيرة أو متوسطة اقرب إلى صياغة القضايا والمنطق وتخدم الحوار الفكري وهي تقريرية في أحيان كثيرة.
فيما يتعلق باسلوب توفيق الحكيم، فإنه يعتمد على الصراع الذهني والفكري بدلا من الصراع الجسدي، ويعتبر الحوار هو المحرك الأساسي للرواية ويعتبر توفيق الحكيم الشخصيات في الرواية هي أفكار تسير على قدمين، كما يتبنى الرمز كاداة مركزية تعتمد على الأساطير والتاريخ والحكايات المجردة كقناع لمناقشة السلطة والعلاقة بين الروح والعقل، كما يستخدم ايضا السخرية بطريقة غير مباشرة لكشف المفارقات الإنسانية.
وفيما يخص بناء الرواية عند توفيق الحكيم، فيعتمد على فكرة مركزية واحدة ومشاهد تخدم الفكرة ونهاية مفتوحة فلسفيا، وشخصياته رمزية وليست نماذج إجتماعية وليست شخصيات نفسية عميقة ولكنها فكرية تعتمد على العقل وتناقش قضايا الإيمان والشك والسلطة.
وعلى ذلك فإن البصمة الإبداعية لتوفيق الحكيم تعتمد على الفكرة قبل الحدث وعلى الحوار قبل الوصف وعلى الرمزية قبل الواقع وعلى عقل يسأل وفي النهاية لا توجد أي إجابات قاطعة.
4 - زكي نجيب محمود
البصمة الإبداعية لزكي نجيب محمود هي بصمة فكرية مميّزة في الثقافة العربية، وتختلف عن بصمات الأدباء الروائيين والمسرحيين؛ فهي بصمة عقلانية نقدية، هدفها الأساسي تهذيب التفكير العربي ونقله من الخطابة واليقين العاطفي إلى المنهج والتحليل.
إن خصائص البصمة الإبداعية لزكي نجيب محمود تتمثل في استخدام لغة عربية فصحى عقلانية حديثة تميل إلى لغة العلم وجمل دقيقة ومنضبطة خالية من الزخرفة البلاغية، ولذلك فإن اللغة عند زكي نجيب محمود هي أداة ضبط للفكر، لا ساحة استعراض. ويعتمد زكي نجيب محمود على التبسيط دون إخلال بالدقة المفهومية وذلك لشرح أعقد المفاهيم بأمثلة يومية دون استخدام الشعارات أو العاطفة الخطابية.
ويعتمد زكي نجيب محمود على إسلوب التعليم الحواري الذي يخاطب القارئ مباشرة باستخدام الاسئلة الافتراضية وإعادة صياغة الفكرة أكثر من مرة من زوايا مختلفة، كما يعتمد التقسيم المنهجي من خلال التعريف ثم التحليل ثم الأمثلة للوصول إلى النتيجة من خلال عناوين واضحة وفقرات قصيرة منظمة حتى لا يتوه القارئ، وتتميز نبرته بالهدوء والعقلانية بدون إنفعال أو تهجم، وإذا كان هناك نقد فإنه يكون ببرود المفكر وليس بحرارة الخطيب.
أما بناء الموضوع عند زكي نجيب محمود فإنه يعتمد على المقالة الفكرة المُحكمة ذات وحدة موضوعية صارمة وفكرة مركزية موحدة ونهاية نستخلص منها الدروس العقلية، كما يستخدم الأمثلة بوصفها أدوات للتفكير فهناك أمثلة علمية وأخرى حياتية وثالثة لغوية، أي أن الأمثلة هي للبرهان وليس التزيين.
ومن هذا المنطلق فإن البصمة الإبداعية لزكي نجيب محمود تعتمد على تبسيط الفلسفة دون تبسيط العقل، فالعقل يشرح واللغة تضبط، والتراث يتم فحصه، والحداثة تُبنى وكتاباته ليس بها ضجيج أو شعارات.
مخاطر الذكاء الاصطناعي على البصمة الإبداعية
الذكاء الاصطناعي لا يهدّد الإبداع إذا أُحسن استخدامه، أما إذا غاب الإطار الأخلاقي والمعرفي لاستخام الذكاء الاصطناعي في عملية الكتابة أو أُسيء استخدامه، فإنه يهدّد البصمة الإبداعية، وفيما يلي أهم المخاطر المحتملة:
فعلى مستوى الأسلوب، فإن الاستخدام السيئ للذكاء الاصطناعي يؤدي إلى تمييع الأساليب الفردية في الكتابة، فينتج نموذج لغوي ليس له خصائص واضحة فهو وسطي وصيغته يمكن قبولها مما يؤدي إلى وجود نصوص متشابهة واختفاء الابع الشخصي ووجود تشابه شديد بين كل النصوص، فهي نصوص يمكن أن تكون صحيحة لغويا ومتماسكة لغويا لكنها بلا روح أو طابع شخصي (بصمة شخصية).
أما فيما يتعلق بالمخاطر المعرفية والأخلاقية، فإن الاستخدام السيء للذكاء الاصطناعي يمكن أن يحاكي اسلوب الكُتاب دون وعي مما يشكل خطر كبير على عملية الكتابة والحياة الثقافية من خلال التقليد وانتحال اسلوب الكتابة في المجتمعات المختلفة.
ويمكن أن يؤثر الاستخدام السيئ للذكاء الاصطناعي على مفهوم الملكية الفكرية فيبدأ هذا المفهوم في الاضمحلال والتآكل، حيث سيصعب علينا التعرف على المسئول عن الفكرة، وصاحب النص، والمسئول عن أثر النصوص المكتوبة، فالبصمة الإبداعية في هذه الحالات لا يمكن نسبها إلى شخص بعينه.
كما أن الاستخدام السيئ للذكاء الاصطناعي سوف يثر تأثيرا سلبيا على الثقافة العامة في المجتمعات، حيث سيتشابه الانتاج الثقافي ونجد آلاف النصوص المتقنة لغويا والمتشابهة ولكنها سطحية وتصبح الثقافة السائدة هي تقافة آليه تفتقد المذاق البشري






.jpeg)




.jpeg)







