خبير أمن سيبراني: الذكاء الاصطناعي يضاعف مخاطر التضليل الرقمي ويصعّب اكتشاف المحتوى المزيف
حذر الدكتور محمد الجندي، الخبير الدولي في الأمن السيبراني وتكنولوجيا المعلومات، من تصاعد مخاطر التضليل الرقمي، موضحًا أن حملات التأثير لم تعد تقتصر على نشر معلومات غير صحيحة، بل أصبحت تستهدف تشكيل إدراك الجمهور والتأثير في مستوى الثقة بالمعلومات والمصادر والمؤسسات.
جاء ذلك خلال كلمة ألقاها الجندي في اجتماع الرئيس عبد الفتاح السيسي مع عدد من كبار المسؤولين وقادة القوات المسلحة والشرطة المدنية، إلى جانب مجموعة من العمد والمشايخ من قرى ونجوع بمحافظات مصر المختلفة، وعدد من الخبراء والمتخصصين، بمقر القيادة الاستراتيجية في العاصمة الجديدة.
وأوضح الجندي أن إحدى آليات التضليل تبدأ عادة بمعلومة مجهولة المصدر أو محدودة الانتشار، قبل أن يجري تضخيمها عبر حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، قد يكون بعضها ممولًا أو يقدم نفسه باعتباره متخصصًا في المجال المرتبط بالمعلومة.
وأشار إلى أن هذا الأسلوب قد يؤدي إلى خلق شعور بالخطر لدى الجمهور، ويدفع وسائل الإعلام والمستخدمين إلى تداول الرواية قبل التأكد من مصدرها أو التحقق من صحتها.
نموذج ABCDE لتحليل حملات التضليل
واستعرض الجندي نموذج ABCDE لتحليل الأزمات والروايات المنتشرة عبر الإنترنت، والذي يركز على مجموعة من العناصر تشمل الفاعلين، والسلوك، والمحتوى، وقدرة المصدر على الوصول إلى الجمهور، والتأثير الناتج.
وأوضح أن تحديد الجهة أو الشخص الذي بدأ نشر المعلومة، وتتبع طريقة انتشارها، وتحليل محتواها، وقياس قدرة المصدر على الوصول إلى الجمهور، ثم دراسة النتائج المترتبة عليها، يمكن أن يساعد في فهم كيفية تطور حملات التضليل.
وضرب مثالًا افتراضيًا بشائعة تزعم وجود وثيقة فنية مسربة تتحدث عن مشكلات في قناة السويس واحتمال تأثر حركة الملاحة، موضحًا أن رواية من هذا النوع قد تبدأ من موقع غير معروف، ثم تنتقل إلى حسابات التواصل الاجتماعي ومنها إلى وسائل إعلام أو أسواق، لتحدث تأثيرًا فعليًا حتى إذا ثبت عدم صحة المعلومات من الأساس.
وأكد أن الهدف من بعض هذه الحملات قد لا يكون استهداف المنشأة نفسها، وإنما التأثير في الصورة الذهنية والوعي المرتبط بها.
الصور والفيديوهات.. وسيلة لصناعة روايات مضللة
وتناول الخبير الدولي أساليب أخرى يمكن استخدامها في التضليل الرقمي، من بينها إخراج الصور من سياقها الأصلي وإعادة استخدامها لتقديم رواية مختلفة.
وأشار إلى مثال يتعلق بصورة جرى تداولها بشأن رأس الحكمة، موضحًا أن البحث عن مصدر الصورة الأصلي كشف سياقًا مختلفًا عن التفسيرات التي صاحبت إعادة نشرها.
كما أوضح أن الفيديو الحقيقي يمكن توظيفه ضمن سياق مضلل من خلال تغيير الصوت أو تقديمه باعتباره توثيقًا لواقعة أخرى، مشددًا على ضرورة الرجوع إلى المصدر الأصلي للصورة أو الفيديو والتحقق من سياقه قبل إعادة نشره.
التضليل قد يستهدف نشر الشك
وقال الجندي إن بعض حملات التضليل لا تهدف بالضرورة إلى إقناع الجمهور برواية بديلة، وإنما قد تركز على إثارة الشك وإضعاف الثقة في الأبحاث والمعلومات والمصادر.
واستشهد في هذا السياق بأمثلة تاريخية مرتبطة بصناعة التبغ، حيث استخدمت حملات دعائية حالة عدم اليقين الموجودة في بعض الأبحاث لإثارة الشك حول العلاقة بين التدخين وسرطان الرئة.
وأشار إلى أن حملات التضليل قد تعتمد على مشاعر مثل الخوف والغضب، إضافة إلى الهوية والتكرار والإلحاح، للتأثير في طريقة استقبال الجمهور للمعلومات والتعامل معها.
خوارزميات التواصل الاجتماعي وتكوين غرف الصدى
وتطرق الجندي إلى دور منصات التواصل الاجتماعي في تشكيل ما وصفه بفقاعات الاهتمام، موضحًا أن المنصات تعتمد على بيانات المستخدم وسلوكه الرقمي لتحديد المحتوى الذي يظهر أمامه.
وبالتالي، قد يشاهد مستخدمان مختلفان نتائج ومحتويات مختلفة بناءً على اهتماماتهما وطريقة استخدامهما للمنصة.
وأوضح أن استمرار ظهور المعلومات المتوافقة مع قناعات المستخدم يمكن أن يؤدي إلى تكوين ما يعرف بـ"غرف الصدى"، حيث يتعرض الشخص لآراء متشابهة من مصادر متعددة داخل البيئة الرقمية نفسها، وهو ما قد يعزز ثقته في رواية معينة حتى دون التحقق من صحتها.
وأضاف أن تكرار المحتوى والإشعارات والتصفح المستمر يسهم في زيادة الوقت الذي يقضيه المستخدم على المنصة، ضمن ما يرتبط باقتصاد جذب الانتباه.
الذكاء الاصطناعي يوسع نطاق مخاطر التضليل
وحذر الخبير الدولي من أن الذكاء الاصطناعي يضيف مستوى جديدًا من التعقيد إلى عمليات التضليل، مع تطور أدوات قادرة على تعديل أو إنشاء الصوت والصور ومقاطع الفيديو بدرجات يصعب معها اكتشاف التلاعب بالاعتماد على الملاحظة البصرية وحدها.
وأوضح أن هذه التقنيات يمكن استغلالها في جرائم مثل الابتزاز والتشهير وانتحال الهوية، مستشهدًا بحالة جرى فيها تقليد صوت رئيس مجلس إدارة إحدى الشركات واستخدامه لإصدار تعليمات بتحويل ملايين الدولارات، قبل اكتشاف أن التسجيلات السابقة للشخص استُخدمت في تقليد صوته.
وأشار كذلك إلى إمكانية إنشاء شخصيات رقمية ومحتوى إعلاني مزيف باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن سرعة تطور هذه التقنيات تتطلب تطوير قدرات التحقق والتعامل النقدي مع المحتوى الرقمي.
التحقق من المصدر أول خطوة لمواجهة التضليل
وأكد الجندي أن مواجهة التضليل لا تعتمد فقط على استخدام أدوات تقنية لاكتشاف المحتوى المزيف، وإنما تبدأ من تغيير طريقة التعامل مع المعلومات.
ودعا إلى عدم الاكتفاء بالسؤال عما إذا كانت المعلومة صحيحة أم خاطئة، بل البحث أولًا عن مصدرها ومحاولة الوصول إلى المعلومة الأصلية.
وشدد على ضرورة التحقق من مصادر الصور والفيديوهات والتصريحات، وعدم الاعتماد بشكل كامل على أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات، مع الانتباه إلى العناوين التي تعتمد على الخوف أو الإثارة أو التأثير العاطفي.
وأشار إلى توفر أدوات تقنية يمكنها المساعدة في تحليل الصور والفيديوهات والتسجيلات الصوتية واكتشاف بعض أشكال التزييف، لكنه أكد أن التطور في تقنيات إنشاء المحتوى يجعل التحقق البصري وحده غير كافٍ في العديد من الحالات.
مواجهة التضليل مسؤولية مشتركة
وأكد الخبير الدولي أن التعامل مع التضليل الرقمي مسؤولية مشتركة بين المواطنين والأسر ووسائل الإعلام ومؤسسات الدولة.
وأوضح أن على المستخدم التفكير قبل مشاركة أي محتوى، إلى جانب مساعدة أفراد الأسرة والأبناء على تطوير مهارات التعامل النقدي مع المعلومات المنتشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ودعا إلى تطوير منظومات للإنذار المبكر تستطيع رصد الروايات التي قد تتحول إلى أزمات، وتحليل ما يتم تداوله عبر مواقع التواصل، وتحديد مصادر المعلومات ومستوى موثوقيتها، فضلًا عن إعداد سيناريوهات لمحاكاة الأزمات الرقمية والاستعداد لها.
كما شدد على أهمية فهم اهتمامات الجمهور والطرق التي يحصل من خلالها على المعلومات، والعمل على بناء قدر أكبر من المناعة المجتمعية من خلال التعليم والأسرة والإعلام.
وأشار إلى أهمية إدخال مفاهيم التفكير النقدي والثقافة الإعلامية والمعلوماتية ضمن العملية التعليمية، بما يساعد الأجيال الجديدة على فحص الأخبار والتأكد من مصادرها.
وأوضح الجندي أن التعامل مع الروايات المضللة يحتاج إلى استراتيجية محددة تحدد توقيت الرد، والجهة المسؤولة عنه، والمنصة المناسبة، وآليات قياس تأثيره.
وأكد أن مواجهة التضليل ليست إجراءً يبدأ بعد انتشار الرواية وينتهي بمجرد نفيها، وإنما عملية مستمرة تقوم على الرصد والقياس والتعلم والتطوير.
وفي ختام حديثه، استشهد الدكتور محمد الجندي بتأكيد الرئيس عبد الفتاح السيسي أهمية مسؤولية الكلمة وتأثيرها في المجتمع، مشيرًا إلى أن بناء الوعي والفهم مسؤولية مشتركة بين المدرسة والأسرة والمؤسسات الدينية ووسائل الإعلام، إلى جانب مختلف مؤسسات المجتمع.










.jpeg)

.jpg)






