تقرير لمعهد كابجيميني للأبحاث: 60% من استهلاك مراكز البيانات للكهرباء سيذهب لتطبيقات الذكاء الاصطناعي خلال خمس سنوات.. وشركات المرافق تعيد النظر في استثمارات الشبكات
الذكاء الاصطناعي يعيد رسم خريطة الطاقة العالمية.. ومراكز البيانات تفرض واقعًا جديدًا على شبكات الكهرباء
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد محرك للابتكار الرقمي، بل أصبح أحد أبرز العوامل المؤثرة في مستقبل قطاع الطاقة العالمي. فمع التوسع غير المسبوق في إنشاء مراكز البيانات الداعمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، تواجه شركات الكهرباء تحديًا جديدًا يتمثل في الارتفاع الحاد والمتقلب في الطلب على الطاقة، بما يفرض إعادة صياغة استراتيجيات تخطيط الشبكات والاستثمار في البنية التحتية الكهربائية.
هذا ما كشف عنه أحدث تقارير معهد كابجيميني للأبحاث بعنوان "الذكاء الاصطناعي يلتقي بالشبكة.. إعادة تشكيل معادلة الطاقة لمراكز البيانات"، والذي استند إلى استطلاع شمل أكثر من 600 مسؤول تنفيذي في شركات الكهرباء حول العالم، إلى جانب مسؤولين في كبرى الشركات المالكة والمشغلة لمراكز البيانات.
مرحلة جديدة من الطلب على الكهرباء
يرصد التقرير دخول منظومات الكهرباء العالمية مرحلة مختلفة كليًا، حيث لم يعد التحدي مقتصرًا على زيادة حجم الطلب، وإنما امتد ليشمل التقلبات السريعة وصعوبة التنبؤ بأحمال الكهرباء الناتجة عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وأوضح التقرير أن غالبية شركات المرافق تتوقع موجات طلب أكثر حدة خلال السنوات المقبلة، بينما يرى أكثر من ثلاثة أرباع المسؤولين التنفيذيين أن أدوات التنبؤ الحالية لم تعد قادرة على تقديم تقديرات دقيقة لاحتياجات المستقبل.
كما كشف أن نحو 67% من شركات الكهرباء تواجه ما يعرف بـ"طلبات الأحمال الوهمية" الخاصة بمراكز البيانات، حيث لا يتحول ما يقرب من 19% من الطلبات المقدمة للحصول على قدرات كهربائية إلى مشروعات فعلية، الأمر الذي يخلق فجوة بين الطلب المتوقع والطلب الحقيقي، ويزيد من تعقيد قرارات الاستثمار في الشبكات.
إعادة صياغة استثمارات الشبكات
وأشار التقرير إلى أن هذا الواقع يدفع شركات الكهرباء إلى إعادة تقييم أولوياتها الاستثمارية، سواء فيما يتعلق بتحديد مواقع إنشاء الشبكات الجديدة أو توقيت تنفيذها أو حجم القدرات المطلوبة، بما يضمن تحقيق أفضل عائد على الاستثمارات مع الحفاظ على موثوقية الشبكة.
وفي المقابل، تواجه شركات تشغيل مراكز البيانات العملاقة تحديات مماثلة، إذ يتعين عليها اتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأجل في ظل تغير مستمر في توقعات الطلب وجداول توصيل الكهرباء.
وأكد التقرير أن 77% من شركات المرافق تعمل حاليًا على تطوير نماذج جديدة للتنبؤ بالأحمال الكهربائية، بما يتناسب مع طبيعة الأحمال المتغيرة الناتجة عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ضغوط متزايدة على إنتاج الكهرباء
ويتوقع 68% من المسؤولين التنفيذيين أن يتجاوز الطلب الناتج عن مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي معدلات التوسع في قدرات توليد الكهرباء، وهو ما ينذر بزيادة الضغوط على الشبكات خلال السنوات المقبلة.
كما أن التركز الجغرافي لمراكز البيانات العملاقة يفرض تحديات إضافية، حيث يرى أكثر من نصف المشاركين في الدراسة أن تجمع الأحمال الكهربائية في مناطق محددة أصبح عاملاً رئيسيًا في تخطيط موثوقية الشبكات واستثماراتها المستقبلية.
الذكاء الاصطناعي... جزء من المشكلة والحل
ورغم أن الذكاء الاصطناعي يقود الارتفاع الكبير في استهلاك الكهرباء، إلا أن التقرير يؤكد أنه يمثل في الوقت نفسه أداة رئيسية لتحسين أداء الشبكات الكهربائية.
وتتوقع الدراسة أن ترتفع حصة الكهرباء المخصصة لتدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي من نحو 25% حاليًا إلى ما يصل إلى 60% من إجمالي استهلاك مراكز البيانات خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة.
وفي المقابل، يرى نحو 60% من مسؤولي شركات الكهرباء أن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في إدارة الشبكات سيحقق تحسينات تتجاوز 10% في معدلات الاعتمادية، وكفاءة التشغيل، وسرعة اكتشاف الأعطال، واستعادة الخدمة.
التحول نحو الشبكات الذكية
وكشف التقرير أن 45% من شركات الكهرباء تستخدم بالفعل تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتحسين أداء الشبكات، بينما بدأت 16% منها تنفيذ استراتيجيات متقدمة تعتمد بالكامل على الذكاء الاصطناعي لإدارة تدفقات الطاقة وتحسين الأداء اللحظي للشبكات وتعزيز قدرتها على مواجهة الاضطرابات.
وأكد التقرير أن تحديث الشبكات الكهربائية أصبح ضرورة ملحة لمواكبة النمو السريع في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، مع الاعتماد بشكل أكبر على تقنيات الذكاء الاصطناعي والحلول المناخية الحديثة.
مراكز البيانات تتجه لإنتاج الكهرباء بنفسها
وفي ظل بطء إجراءات ربط المشروعات الجديدة بالشبكات، بدأت شركات تشغيل مراكز البيانات في الاعتماد بشكل متزايد على أنظمة إنتاج الكهرباء الذاتية وحلول Behind-the-Meter (BTM).
وأوضح التقرير أن نحو 30% من مراكز البيانات تعتمد بالفعل على هذه الأنظمة، فيما يخطط 39% لتطبيقها خلال العامين المقبلين.
ويرى أكثر من 70% من المشاركين أن هذه الحلول ستسهم بشكل ملموس في تخفيف الضغط على شبكات الكهرباء خلال السنوات الخمس القادمة، بينما يعتبر 86% أن امتلاك مصادر طاقة مستقلة يمثل ميزة تنافسية حقيقية.
مزيج متوازن من مصادر الطاقة
وأشار التقرير إلى أن الاعتماد على الطاقة المتجددة وحدها لا يكفي حاليًا لتلبية الاحتياجات الضخمة لمراكز البيانات.
ويرى 78% من مسؤولي شركات الكهرباء و73% من مسؤولي مراكز البيانات أن مصادر الطاقة المتجددة لا تزال بحاجة إلى دعم من تقنيات التخزين والطاقة التقليدية لضمان استمرارية الإمدادات.
ولهذا تتجه الشركات إلى الاستثمار في أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات، بالتوازي مع متابعة تطورات المفاعلات النووية الصغيرة، بينما يرى 68% من المشاركين أن الغاز الطبيعي سيظل مصدرًا انتقاليًا للطاقة حتى تنضج تقنيات الطاقة المتجددة والتخزين على نطاق واسع.
كابجيميني: الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف قطاع الكهرباء
وقالت كلير جوتييه، الرئيسة العالمية لقطاع الطاقة والمرافق في كابجيميني، إن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد عامل يرفع الطلب على الكهرباء، بل أصبح يعيد تشكيل منظومة الطاقة بالكامل، ويكشف عن تحديات هيكلية تتعلق بقدرات الشبكات وتخطيطها وتوافر الطاقة.
وأضافت أن النجاح خلال المرحلة المقبلة سيتوقف على قدرة شركات الكهرباء ومشغلي مراكز البيانات على المواءمة بين الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير مصادر الطاقة، والاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي لإدارة الطلب المتزايد، مع الحفاظ على التوازن بين الموثوقية والاستدامة والتكلفة.










.jpeg)







